منذ فجر التاريخ، ساهم الكثير من الفلاسفة بوضع نظريات حول الإنسان، المجتمع، الأنظمة السياسية، وأفضل أساليب العيش التي تؤمّن السعادة والحقوق للأفراد. ولطالما ارتبطت السياسية بالدين والأخلاق منذ الإغريق القدماء على رأسهم أفلاطون، سقراط وأرسطو، وصولًا إلى العصر الحديث متوقفاً عند نيكولو مكيافيلي، الذي كان معارضاً لهذا التيار الفكري وجعل من نفسه محطة أساسية يتوقف عندها كل من أهوته الفلسفة والسياسة. فمن هو مكيافيلي؟ ما أبرز أعماله؟ وهل أنصفه الرأي العام عندما حجّمه بكتابه الأمير وفكرة “الغاية تبرر الوسيلة”؟
حياته
لكي نفهم فكر مكيافيلي والدوافع لمواقفه التي يعتبرها البعض متطرفة، يجب أن نعالج حياته ومحيطه. ولد مكيافيلي عام 1641 في فلورنسا وعاش فيها في ظل أوضاع سياسية متأزمة في إيطاليا. فيما كانت كل من فرنسا واسبانيا تشهد قيام دولة وطنية قوية، كانت إيطاليا مفككة ومقسمة بين ممالك وإمارات وجمهوريات عديدة أبرزها: مملكة نابولي، دوقية ميلانو، جمهورية البندقية، جمهورية فلورنسا، والدولة البابوية. كان مكيافيلي ابن عائلة ميسورة، كان والده محامياً لامعاً ووالدته مثقفة، كما ارتبط بصداقات عديدة مع مفكرين وكتاب لعل الأبرز بينهم “فيرجيل.” درس القانون وشغل عام 1611 منصب المستشار العام للدولة في فلورنسا لمدة 16 سنة أعطته الكثير من الخبرة بشؤون الدولة الداخلية والخارجية، كما أن مشاركته في بعثات للخارج وسّعت أفق معرفته. عارض مكيافيلي السلطة الباباوية بشدة متهماً إياها أنها سبب أساسي في عدم وحدة ايطاليا، فهي لا تملك ما يكفي من القوة لتخضع باقي الحكام ولا تسمح لحاكم واحد بالسيطرة خوفاً من زوال سلطتها الدنيوية. ظل مكيافيلي في منصبه حتى سقط النظام في فلورنسا مع عودة آل “مديتشي” إلى الحكم. اكتشفت العائلة الحاكمة مؤامرة عليها ظهر فيها اسم مكيافيلي فاعتقل مع المتآمرين واخلي سبيله بعد إثبات براءته، وعزل مع عائلته في “سان كاسيانو” لأكثر من عشر سنوات كتب فيها أهم مؤلفاته “الأمير” و “المطارحات.”
“الأمير”
نشر كتاب “الأمير” عام 1351، اي بعد خمس سنوات من وفاة مكيافيلي، وحظي بشهرة واسعة في كل أوروبا حتى ترجم وانتشر من بعدها في كل أنحاء العالم. حصل على ردود فعل سلبية بسبب واقعيته وعدم تمليقه للواقع المعاش، منها ردة فعل الكاردينال “ريجينالد بول” الذي ادعى أن هذا الكتاب “كتبه الشيطان.” عالج مكيافيلي في هذا الكتاب مسألة الحكم المطلق والدولة الملكية، والأساليب التي يجب على الأمير اتباعها من أجل الحفاظ على الدولة وزيادة قوتها داعماً نصائحه بشواهد تاريخية. وقد برزت في هذا الكتاب معتقدات مكيافيلي بأن الإنسان يميل الى الشر بطبيعته، وابتعد عن القواعد الأخلاقية معتمداً من الواقع أساس فلسفته. وهذا ما عبّر عنه صراحةً حين قال أن دوافعه لكتابة هذا الكتاب هو من أجل اعطاء نصائح واقعية تكون فعالة ومبنية على الحقيقة كما هي وليس كما يتخيلها الناس. الأمير الحاكم يسعى للحفاظ على سلطته وتقويتها، والخصم يعمل على استخدام كل الوسائل المتاحة للقفز إلى السلطة، ونجاح كل منهما هو المبرر لاستخدام كل الوسائل المتاحة دون الاهتمام بالقيم والاخلاق المثالية التي لم ير وجود لها في الحياة السياسية العملية. وهذه هي الفكرة المسؤولة عن سمعته السيئة المبنية على اساس “الغاية تبرر الوسيلة.” يستخدم مكيافيلي وصف “شيشرون”، كاتب روماني وخطيب في روما القديمة يعتبر نموذجًا مرجعيًا للتعبير اللاتيني الكلاسيكي، الذي قال أن الاحتيال والقوة ينتميان الى الثعلب والأسد ولا يليقان بالبشر، ويؤكد مكيافيلي أن على الأمير معرفة كيف يتصرف مثل الاسد والثعلب لأن القوة بدون المكر تؤدي الى هلاكه. وهذا يشمل حتى عدم حفاظ بالوعود عندما يكون ذلك ضارًا بمصالحه، وهو ما جادل به مكيافيلي على الحاكم المتبصر أن لا يحافظ على وعوده عندما يرى أن هذه المحافظة تضر بمصالحه، وأن الأسباب التي حملته على إعطاء هذه الوعود لم تعد قائمة.” ولكن لم يشجع مكيافيلي الأعمال اللا أخلاقية دون سبب، وقد وضع حد لها تمثل بكراهية الشعب للأمير. فينصح الأمير في الفصل السابع عشر أنه من الأفضل أن يخافوا منه على أن يحبوه ولكن مع تفادي الكراهية. كما يعيد التأكيد في الفصل العشرين أن أقوى حصن هو عدم كره رعاياك لك. وهذا ما أكدته عدّة أبحاث، التي استنتجت أن الخوف يلعب دور محفّز للالتحاق بالقائد وخصوصا إذا كان يتمتع بالحب والإحترام فيرتفع معدل الوفاء تجاهه والإمتثال لقراراته.
“المطارحات”
لم يحظ للأسف كتاب “المطارحات” الذي نشر عام 1531 بنفس شهرة كتاب “الأمير” بالرغم من أنه يحتوي على فكر مكيافيلي بشكل أفضل وأوضح. وقد ظهرت عند مكيافيلي نزعة حرة ديمقراطية واضحة في هذا الكتاب. فاعتبر أن النظام الجمهوري هو الأفضل للدولة الحسنة ولكنه لا يصلح سوى للشعوب المتمسكة بالأخلاق الفاضلة. ويحرص هذا النظام على إقامة نوع من العدالة بين الناس مما يفسح المجال للأخذ بالكفاءات وتحقيق المساواة. ورأى أن الحكومات الشعبية المنتخبة تحترم الاتفاقيات والتعهدات أكثر من الملوك. كما شدد على ضرورة كسب الامير رضى الشعب الى جانبه فإنه “من الضروري لكل أمير أن يكسب صداقة شعبه، وإلا لا يجد ملجأ له في أوقات الشدة.” كما حارب النبلاء وفسادهم فإنه “ليس من الإمكان إرضاء النبلاء باتباع العدالة وعدم ايقاع الأذى بالآخرين، بينما يسهل ارضاء جماهير الشعب بهذه الطريقة، اذ ان أهداف الشعب أنبل من أهداف النبلاء، فهؤلاء يريدون أن يظلموا، وأولئك يريدون مجرد وقاية أنفسهم من ظلم الآخرين.” قدم مكيافيلي ثلاث أشكال حسنة من الحكم وهي: حكم الإمارة، حكم النبلاء، وحكم الشعب. ولكنه بعد شرحه لها فضل نظام مختلط يشترك فيه الجميع لأن ذلك يعطيه المزيد من القوة والثبات. وقد أخذ مثالًا على ذلك النظام في روما الذي مزج العناصر التالية: القنصلان ويمثلان المبدأ الملكي للإمارة، مجلس الشيوخ ويمثل النبلاء، التريبيون ويمثل الشعب. كما ربط قوة الدولة بقوة القوانين التي تنظمها وتنظم المجتمع فيها، فلا استمرار للدولة دون قوانين قوية.
هل أُنصف؟
كما عرضنا سابقاً، عاش مكيافيلي في أوضاع سياسية صعبة كانت فيها إيطاليا مقسمة وضعيفة، والمجتمع الإيطالي يعاني من الفساد. فقد أعرب في كتاباته المختلفة عن تألمه الشديد بهذا الواقع وانحلال المجتمع الايطالي. كان ذلك سبباً لإيمانه بأن المجتمع لا يصلح إلا بحكم ملكي يتبوأ السلطة أمير يعيد المجتمع الى الطريق الصحيح ويؤسس دولة قوية بكل الوسائل المتاحة. وفيما بعد يمكن أن يتغير النظام و يتطور مع تطور ووعي المجتمع وانتشار الأخلاق الفاضلة فيه. أما رفضه تدخل الدين في السياسة فكان من إيمانه بأن الدولة البابوية هي سبب انتشار الإلحاد والفساد في المجتمع الإيطالي، كما لعبت دوراً أساسياً في الحفاظ على تقسيم إيطاليا. فلم يكن مكيافيلي رافضاً الأديان وحرية العبادة، بالعكس يقول ان على الجمهوريات التي تريد أن تحافظ على نزاهتها أن تحافظ على نزاهة ووقارة طقوسها الدينية، لأنه لا مؤشر على خراب دولة أكبر من رؤية الإهمال والاستخلاف بطقوسها الدينية. لعبت كل هذه العوامل التي أحاطت مكيافيلي دوراً كبيراً في بناء فلسفته التي لم ينصفه الرأي العام فيها. ولكن يمكن تمييز محبته لبلده فيها وكيف حاول من خلالها حل المشاكل التي عانت منها إيطاليا عموماً وفلورنسا تحديداً في تلك الحقبة. وتظهر هذه المحبة شكل واضح في رسالة كتبها قبل وفاته قال فيها “أحب وطني أكثر مما أحب روحي.”
يمكن القول أن مكيافيلي قدم نظريتين، الأولى لتأسيس الدولة أو إصلاحها تمثلت بالحكم المطلق وعبر عنها في كتابه “الأمير”، والثانية تتعلق بنظام الحكم الأمثل والمحافظة على الدولة شرحها في كتابه “المطارحات.” اهتم مكيافيلي بكل ما يمكن أن يؤمن القوة للدولة والمحافظة عليها بعيداً عن تدخل القيم الدينية معتمداً من الواقع أساساً لفكره السياسي. هكذا فإن مكيافيلي الذي ربط المجتمع اسمه بالاستبداد واللا أخلاق، لم يكن سوى من أنصار القانون والحرية والمجتمع الفاضل إذا تعمق الفرد بفلسفته. ومع انتشار الفساد الأخلاقي والمجتمعي بشكل واسع في انحاء الأرض، هل يمكن تطبيق فكر مكيافيلي، من أجل حل هذه الزمة؟ وهل يمكن أن نجد فعليًّا “أمير” مشرّع يستلم السلطة للإصلاح ويسلّمها عند انتهاء الفترة الإنتقالية؟
Edited Sahar Allabban

